ليس صحيحاً أن الطيب صالح له رائعة واحده هي موسم الهجرة إلى الشمال, فمن قرأ مجموعته التي صدرت عن دار رياض الريس بعنوان "مختارات" وعلى تسعة أجزاء جمعت ما كان قد كتبه الطيب من مقالات نشرت في مجلة المجلة, سيجد أن هذا الأديب العظيم حقاً يعتبر علامة فارقة في تاريخ أدبنا العربي المعاصر
ما أود أن أتحدث عنه منها هو الكتاب الأول (منسي إنسان نادر على طريقته) وقد كان هذا الكتاب من روائع الكتب التي قرأتها مؤخراً وأعدت قراءته مرات عديدة لما به من المفارقات العجيبة عن منسي, ولتلك الأجواء البديعة التي يأخذنا الطيب صالح إليها, ويتحدث فيها عن صديقه الراحل منسي, هذا الصديق الغريب الأطوار كما ذكر الطيب كان نموذجاً للإنسان اللامبالي حيث كانت تعتمد حياته على "الفهلوة" وكما قال الطيب "رجل قطع رحلة الحياة وثباً وأتاحت له الحياة أكثر مما كان متاحاً له".
بلا شك هناك الكثير من أشباه "منسي" في أيامنا هذه ولكن مع فارق كبير وهو خفة الدم, فإذا كان منسي نادرة في ظرفه وطيشه العفوي, فإن ألائك من الثقلاء خلقاً وفعلاً.
شعرت أن حديثي عن هذا الكتاب الجميل لن يكتمل إلا إذا أوردت بعض المقتطفات منه, بلا شك أعتقد أنها ستكون دافعاً كبيراً للكثيرين لقراته كاملاً, وستلاحظون معي أنه جدير بهذا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"في مثل هذا الوقت من العام الماضي توفي رجل لم يكن مهماً بموازين الدنيا، ولكنه كان مهما في عرف ناس قليلين، مثلي، قبلوه على عواهنه، وأحبوه على علاته. رجل قطع رحلة الحياة القصيرة وثبا وشغل مساحة أكبر مما كان متاحاً له، وأحدث في حدود العالم الذي تحرك فيه، ضوضاء عظيمة، حمل عدة أسماء، أحمد منسي يوسف، ومنسي يوسف بسطاوروس، ومايكل جوزيف، ومثل على مسرح الحياة عدة أدوار، حمالاً وممرضاً ومدرساً وممثلاً ومترجماً وكاتباً وأستاذاً جامعياً ورجل أعمال ومهرجا. ولد على ملة ومات على ملة. ترك أبناء مسيحيين وأرملة وأبناء مسلمين. حين عرفته أول مرة، كان فقيراً معدماً، ولما مات ترك مزرعة من مائتي فدان من أجود الأراضي في جنوب انجلترا، وقصرا ذا أجنحة، وحمام سباحة، وإسطبلات خيل، وسيارة (رولز رويس) و(كاديلاك) و(مرسيدس) و(جاكوار) وماركات أخرى. وخلف أيضاً مزرعة من مائة فدان في ولاية (فرجينيا) بالولايات المتحدة، ومطعماً وشركة سياحة.
لما بلغني نبأ وفاته، اتصلت بداره في (ثاتشبري) في ضواحي ساوثهامبتون بإنجلترا. أجابني صوت أمريكي لشاب، هو ابنه الأكبر (سايمون) علمت منه أن الموت أخذ أباه على حين غرّة وهو في أوج الصحة والعافية, فأصيب بسرطان الكبد الذي قضى عليه خلال أسابيع, وكنت وقتها في السودان. ثم خطر لي أن أسأله كيف دفن أبوه فأخبرني أنهم لم يدفنوه بعد, وكان قد مضى على موته عشرة أيام, وأنهم ينتظرون أن تتم الإجراءات لحرق جثمانه
قلت له: ولكن أباك رجل مسلم, وحرق الجثمان محرم عند المسلمين
فأجابني نحن لا تعلم عن إسلامه شيئاً. الذي نعلمه أن والدنا كان مسيحياً, وكان يقول لنا حين أموت أحرقوا جثماني
قلت له اسمع لا يوجد أدنى شك أن أباك كان مسلما، وأنا شاهد على ذلك. إنه أمر خطير أن تحرقوا جثمان رجل مسلم. وتذكر أن أباك خلف أرملة مسلمة ولكم منها أخ مسلم. إذا قلتم: إنه لم يكن مسلماً فمعنى هذا أن زواجه هذا كان باطلاً.
اتصلت بزوجته في الرياض فاستغاثت بوزارة الخارجية السعودية التي سارعت بالتدخل, فحسم الأمر, ودفن منسي كما كنا نسميه كمسلم وأقيمت عليه شعائر المسلمين, وذلك بعد نحو شهر من موته. ومع ذلك نشرت صحيفة الأهرام أن أهله في مصر أقاموا القداس على روحه في الكنيسة القبطية.
ورغم حزني عليه فقد ضحت. قلت هكذا منسي لغز في حياته ولغز في مماته. لقد أربك الناس حوله وهو حي. وها هو يربكهم وهو ميت. كانت الحياة بالنسبة له, نكتة كبيرة وضحكة متصلة لا تنقطع. كانت الحياة سلسلة من (شغل الحلبسة) كما كان يقول.
ولد ونشأ قبطيا في بلدة ملاوي في عمق صعيد مصر. وكان يقول لنا إنه كان يقضي معظم أوقاته مع أطفال المسلمين من سنه, فنشأ أقرب إلى المسلمين. توفيت والدته وهو بعد صبي, وكان أكبر إخوته, وتزوج أبوه وأنجب بعدها. وهذه حقيقة مهمة في حياته. كانوا فقراء مستورين ولم تكن الحياة سهلة. وصل الجامعة بعد جهد, فدرس اللغة الإنجليزية في جامعة الإسكندرية فأتقنها, لفظاً ومعنى, بشكل لافت للنظر, وكان أضرابه قليلين في إتقانه للغة الإنجليزية بين من عرفت من العرب. كان صعباً أن يقتنع الناس أن منسي في عبثه وهذره يمكن أن يتقن أي شئ. وقد قضيت كل سنوات معرفتي له, أحاول أن أقنع الناس, أنه إنسان عنده مواهب, وأنه يتقن أشياء كثيرة. قاده حبه للغة الانجليزية بطبيعة الحال, إلى إنجلترا فوصلها العام 52 بعد سلسلة من المغامرات والألاعيب والـ(أونطة) وانخرط في الدراسة في جامعة ليفربول. وكان فقيراً لا يملك قوت يومه, فكان يدرس ويعمل, فعمل حمالاً وغسالاً للصحون في المطاعم, وممرضاً. ثم انتقل إلى لندن. وكان في كل تحركاته كما أخبرنا فيما بعد, يستعين بالجمعيات الخيريّة والهيئات الكنسية ويلعب على كل الحبال
منسي ومناظرته لريتشارد كوردسمان
في طريقنا إلى مقر اتحاد طلبة جامعة لندن, سألني منسي عن قضية فلسطين. كانت جرأة كبيرة من اتحاد الطلبة أن يختار ذلك الموضوع , في تلك الأيام العصيبة أوائل الستينات…
ولا أدري من الذي اختار منسي ليكون المدافع الرئيسي عن قضية فلسطين تلك الليلة, في مواجهة خصم قوي شديد المراس. ولكن لأنه كان يحب الجدل, ويحب الظهور والضوء فلا بد أنه بذل جهداً ليحصل على الدور. كان المتحدث الرئيسي المعارض له, هو مستر ريتشارد كوردسمان.
" ريتشارد كوردسمان ؟ طز. وإيه يعني ؟"
لكن ريتشارد كوردسمان لم يكن رجلاً سهلاً , في الواقع, ولو كان المعني بالأمر شخصاً غير منسي لحسب لمواجهته ألف حساب. كان من مفكري اليسار المعدودين, ومن المنظرين الكبار في حزب العمال. كان أستاذاً في جامعة أوكسفورد قبل أن يصبح نائباً في البرلمان. وقد صار فيما بعد وزيراً ومستشاراً أثيراً عند هارولد ولسن رئيس الوزراء. ولمّا ترك الوزارة أصبح رئيساً لتحرير مجلة الـ" نيو ستيتسمان" الواسعة النفوذ . وكان قد اشترك من قبل في لجنة كونتها الحكومة البريطانية لدراسة أوضاع العرب واليهود في فلسطين ورفع تقرير عن ذلك. وكان منحازاً تماماً لوجهة النظر الصهيونية.
قال لي منسي ونحن في سيارته تلك في طريقنا إلى مقر لاتحاد, وقد بقي أقل من ساعة على بدء المناظرة:
" اسمع قول لي بسرعة إيه حكاية فلسطين دي ".
" الله يخيبك. تقصد سوف تواجه ريتشار كوردسمان وأنت لم تستعد؟ ألا تعرف من هو ريتشارد كوردسمان " ؟
" بلاش غلبة. بس انت قول لي بسرعة إية حكاية وعد بلفور ومش عارف إيه وشغل الحلبسة دا ؟ "
" يا ابني دا مش لعب. هذه مناظرة مهمة جداً… فرصة نادرة لن تتكرر. الله يخرب بيتك. انت مين اختارك لتكون ناطقاً باسم العرب ؟"
" ما لكش دعوة. بس اديني شوية معلومات وما تخفش عليّ. قال ريتشارد كوردسمان. طز! وإيه يعني ؟"
انتابني قلق حقيقي. امتلأت القاعة بالخلق, واللذين لم يجدوا أماكن وقفوا في الطرقات والرّدهات. سفراء عرب وأجانب, وأعضاء في البرلمان وصحافيون ومصورون. وراديو وتلفزيون. كان واضحاً أن كلاً من الجانبين قد بذل جهداً كبيراً لحشد الناس. لا غرابة فإن المناظرات التي تعقدها اتحادات الطلبة في الجامعات, خاصة في أوكسفورد ولندن, لها تأثير ووزن معنوي كبير, ودائماً تحضى باهتمام وسائل الإعلام.
لحسن الحظ كان مع منسي فريق قوي, كان أحدهم, على ما أذكر "أرسكن شلدرز" الكاتب الصحفي الذي دافع ببسالة عن العرب وقضية فلسطين بالذات, ثم لما ازداد عليه العنت والضغط, ألقى السلاح واختفى من الساحة تماماً.
حين خطا منسي إلى المنصة بقامته القصيرة, وجسمه الذي كانت نتوءاته قد بدت تتضح من وراء ومن أمام هبت في وجهه عاصفة قوية من التشجيع والهتاف من الجانب العربي, زادته جرأة على جرأته. تكلم بجنان ثابت ولغة إنجليزية فصيحة. لكنه لم يقل شيئاً يجذب الاهتمام وقد حاول أن يغطي جهله بقوله, أنه سوف يترك التفاصيل للفريق المساند له.
كل واحد من هؤلاء كان على بينة من أمره فتحدثوا كلهم حديثاً مفيدً مليئاً بالحقائق الدامغة.
ثم أعطى الرئيس الكلمة لريتشارد كوردسمان, فخطا نحو المنصة بقامته المديدة, وسط زوبعة من التأييد ضمت كثيرين لم يكونوا مع العرب أو اليهود, ولكنهم كانوا يعرفون من هو ريتش
المزيد