حوار مع الملحدين في التراث, لعصام محفوظ
كتبهاessa4 ، في 30 يناير 2008 الساعة: 19:48 م
هذا الكتاب دفعه حظه السيئ ليقع في براثن الرقابة بمعرض القاهرة الدولي للكتاب المنعقد حالياً, طبعاً ليس في الأمر جديد, بل يكاد يكون غياب الرقابة عن أي محفل ثقافي هو حديث الساعة الأهم كما حصل ذلك في العام الماضي في معرض الرياض الدولي للكتاب حين أصيبت وزارة الثقافة والإعلام لأول مرة في تاريخها العريق والحافل بالمنع والمصادرة بصحوة ضمير مفاجئة, لهذا لا يحتاج الأمر إلى إدانة واستنكار فكل بلد عربي له رقيبه, وما يشتكى منه القارئ في القاهرة يُشتكى منه في كل مكان آخر من عالمنا العربي, وخاصة أن الحكومات العربية تعتبر فسح الكتب وتداولها جزءاً من سيادتها كما يقول ذلك الناشر المصري إبراهيم المعلم صاحب دار الشروق.
و لا أعتقد أن هذا الكتاب رغم موضوعه الشائك به ما يستحق المنع, فلا مؤلفه ينتصر لجماعة الملحدين ويدافع عنهم, ولا هو يورد ما يقتبسه من أقولهم في كتابه دون رد وتفنيد, سواءً أكان من ردود خصومهم أو من كتاباتهم ذاتها, لهذا لا يمكن تبرير منعه سوى بالمزاجية, ربما لم يفهم الرقيب الذي تصفحه بعض فقراته أو أنه قرأ بعضها خارجاً عن السياق الذي وضعت به, أو أنه اعتقد من عنوانه أن المؤلف يدافع عن الشخصيات التي يتحدث عنها. أقول هذا الكلام فقط لأدافع عن حق القارئ في أن يقرأ ما يشاء.
الكتاب كما يقول المؤلف هو محاولة "لفهم الظاهرة الإلحادية في تراثنا, في ذروة الازدهار الحضاري للإمبراطورية العربية الإسلامية", الموضوع ممل للقارئ العادي كما يظهر للوهلة الأولى, لكن مؤلفه عصام محفوظ – رحمه الله- يسلك مسلكاً مختلفاً يجعل أي محاولة للملل في أن يظهر على أي من صفحات كتابه أمراً نادراً إن لم يكن معدوماً, وذلك لأنه يتبع أسلوباً قصصياً فيبنى صورة متخيلة يضع نفسه في القلب منها, فإذا به وهو ابن العصر الحديث يتجول في شوارع بغداد وأزقتها في القرن الثالث الهجري باحثاً عن ابن الراوندي الملحد مرة وعن أبي بكر الرازي مرة أخرى, وإذا به في صورة أخرى يكشف عن ضياعه في بغداد أثناء بحثه عن جابر بن الحيان بسبب اختفاءه منذ نكبة البرامكة, وسعي هارون الرشيد للاقتصاص منه ! حتى اهتداءه إلى أحد تلاميذه, ليفصح له التلميذ أن ابن حيان متخف منذ تلك الحادثة في الكوفة.
يقول عصام محفوظ أنه اتبع "أسلوباً مميزاً, بحيث لا يكون الكلام عن الشخصية, بل معها, عبر الأجوبة المنتزعة حرفياً من كتابات تلك الشخصية". وهذا ما يتضح أكثر في الحوار المتخيل الذي عقده مع جابر بن الحيان وهو الشخصية الثالثة في هذا الكتاب. كما هو معروف فإن جابر بن الحيان اشتهر بالكيمياء أكثر من أي شيء آخر وبلغ فيها مبلغاً لم يصل إليه أحد في عصره وحتى القرن الثامن عشر الميلادي, لكن لسوء حظه دفعه علمه الواسع إلى حد "الإدعاء بأن الإنسان قادر على خلق كائن حي, عبر التركيب الصحيح للعناصر التي تخلق الحياة… " ! ليجد نفسه بعد ذلك وجهاً لوجه أمام السلفيين حين اعتبروا "عمله تحدياً للخالق" -جل وعلى- أما أبو بكر الرازي وهو الشخصية الثانية في هذا الكتاب فقد كان طبيباً, "سعى لمداواة العالم الذي يعيش فيه" وكان له اهتمام "بعلاقة الإنسان بالله" لكن الحظ العاثر أيضاً وربما سوء الفهم وفساد المنهج الذي اتبعه قاده إلى التحيز للإنسان "وهي التهمة التي أنكرها عليه ابن ميمون وادانه من اجلها.. حيث يقول "وسبب هذا الغلط (عند الرازي) كون هذا الجاهل وأمثاله لا يعتبر الوجود إلا بشخص إنسان". الشخصية الثالثة والأخيرة في هذا الكتاب هي شخصية ابن الراوندي وكان أكثر صداميّة من سابقيْه, وقد وضعه المؤلف أول شخصية يجري معها حوارً أو بالأصح يجري حواراً مع خصومها, ذلك لأنه "كان أقرب إلى الأسطورة منه إلى الحقيقة, لأن كتبه التي تربو على المائة اختفت جميعها, فبدأ كأنه اختراع أخصامه".
قد يتساءل أحد القراء ما الذي يدفع أي شخص للإلحاد, أي حكمة تبرر ذلك وأي منطق؟ ولماذا تبدو المعركة بين الإلحاد والدين معركة مضحكة ومحسومة سلفاً لصالح الدين ؟ هذا التساؤل يجيب عنه المؤلف بإجابة هي بالنسبة لي أهم ما ظفرت به في كل الكتاب وكذلك أبسط جواب لهذا الوضع المحير, أما تعليل هذه الظاهرة فهي "لأن أي جنة تعد بها العقيدة الدنيوية محكومة بالامتحان على الأرض, بعكس الجنة التي تعد بها العقيدة الدينية" ثم "أن الدين يجاوب على سؤال لا يزال يؤرق الإنسان, عن معنى هذه الحياة العابرة الحافلة بالعذابات" وما الحكمة من وجودها ووجودنا بها, وماذا بعد هذه المسيرة الصاخبة لها. إن هذه الأجوبة هي أبرز ما انفردت به الديانات وأول ما دمغ الإلحاد والشرائع الدنيوية بالفشل, ولعل ذلك ما يفسر كل تلك الانتكاسات والانهيارات الفكرية التي مني بها الفكر الإلحادي.
كتاب عصام محفوظ ليس الأول من نوعه, لقد سبقه المفكر المصري الراحل عبد الرحمن بدوي في كتابه "من تاريخ الإلحاد في الإسلام" الجديد في كتاب عصام محفوظ هو الأسلوب المبتكر, أما حساسية الموضوع فهي ذاتها, وإذا كانت حجة الرقيب في منع هذا الكتاب وأمثاله هو المحافظة على نقاء عقول القراء من سفسطات ومنكرات أمثال هؤلاء الملحدين ففي حجته نظر, غير أن الثابت هنا هو أن المعرفة والاطلاع لا تقتضي التسليم والقبول المطلق دائماً, لهذا تبقى حرية القراءة والاطلاع هي الأولى وخاصة أن القراءة من أجل التثقف في العالم العربي تكاد تكون فعلاً نخبوياً يقتصر على قلة من الناس.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 - كافة الاقتباسات الواردة بين علامتي تنصيص هي من كتاب المؤلف, دار الفارابي الطبعة الأولى -2004
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : كتب | السمات:كتب
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























يوليو 15th, 2009 at 15 يوليو 2009 11:55 ص
الكاتب مسيحي ومن العدل الإشارة الى ذلك
الكتاب جميل من الناحية الفنية ولكنه ضعيف جدا من الناحية العلمية