ميلاد الدولة رقم 193, هل من مهنئين
كتبهاessa4 ، في 20 فبراير 2008 الساعة: 14:31 م

منذ تفتح عيني على الأوضاع السياسية للعالم كانت منطقة البلقان – وباستثناء فلسطين- من أوائل المناطق التي زفتها نشرات الأخبار كمناطق تعاني من أزمات حرجة واهتمام عالمي طارئ بسبب ذلك, وصارت هذه البقعة من الأرض بالذات مرتبط في ذهني بالمذابح والتصفيات العرقية أكثر من أي شيء آخر, ذلك أن المجازر المروعة التي ارتكبها الصرب في حق مسلمي تلك الأرض المجهولة كانت أول ما قُدم لنا عنها, الأمر الذي عرفنا بها وجعل تلك المشاهد المأساوية فاتحة الطريق إلى تلك البلاد وأهلها, وقد روت لنا الأخبار بعضاً من تلك الفظائع, كان الصرب على سبيل المثال قبل تبييتهم النية في تصفية المسلمين يضعون علامات مميزة لمنازلهم لألا يهدروا وقتاً طويلاً في التعرف عليهم حين تأتيهم الأوامر العليا ببدء التصفية, وحين انهمكوا في أعمال القتل والتنكيل كانوا يتعقبون اللاجئين منهم حتى إذا ما ضفروا ببعضهم أجهزوا على الذكور منهم, أما النساء فإنهم يتفننون في تصفيتهن, فهم أولاً يتزعون الأطفال الرضع من أمهاتهم ويقذفون بهم في الهواء ثم يتلقفونهم بحراب البنادق!
كانت هذه النماذج مجرد اقتباسات غير مقصوده من تاريخ الصرب الإجرامي, وهو تاريخ يستغرق مجلدات لو تم تدوينه, وكنت أمعن التخيل في فظاعة هذه المشاهد وأتخيل مسلمي البلقان وهم يترقبون لحظات الموت على أيدي الصرب, ولعل ذلك هو ما جعل بعض هذه القصص حية في ذاكرتي حتى الآن. ومن تصاريف القدر أن ما تعرض له مسلمي البلقان من محاولة إبادة في تلك الفترة الحرجة من تاريخهم لا يختلف كثيراً عما يتعرض له الفلسطينيون, لكن من حسن حظ البلقان أن بلادهم تقع على خط تماس حرج بين مناطق نفوذ قوتين عظميين لهذا تعتبر مجالاً استراتيجياً حيوياً لمن ينفرد بها من تلك القوى, وبسبب ذلك في المقام الأول حصلوا على اهتمام وتدخل مباشر من الولايات المتحدة ودول حلف الناتو.
بعد هذه الصفحات السوداء في تاريخ هذه المنطقة هناك أخبار سارة هذه المرة وتعني بالخصوص إقليم كوسوفو إذ أنه بغروب شمس يوم الأحد الماضي كانت سجلات الأمم والشعوب قد أفسحت مكاناً للدولة رقم 193 بينها, فبعد مخاض عسير امتد لسنوات ولدت دولة كوسوفو وأصبحت دولة ذات سيادة مستقلة على أراضيها. ورغم أن الكوسوفيون دفعوا أثماناً باهظة منذ أواخر القرن الماضي إلا أنه لا يزال من المشكوك فيه إذا ما كانت فواتير استقلالهم قد أصبحت مسددة بالكامل, فجيرانهم ومستعبديهم بالأمس وهم الصرب والروس لا يزالون يرفضون استقلالهم رفضاً قاطعاً, ودول الاتحاد الأوربي وهي السند الجغرافي والاستراتيجي لهم أظهروا حتى كتابة هذه الأسطر انقساماً وتردداً حول الاعتراف بالدولة الوليدة ودعمها, أما دول العالم الإسلامي وهي السند الأخوي والإيديولوجي لمسلمي الإقليم المستقل فلا يزال الصمت يلف موقفهم تجاه هذه الاستقلال, فباستثناء تصريح لمدير منظمة مؤتمر العالم الإسلامي أكمل الدين أوغلوا لم يصدر حتى الآن أي بيان من أي دولة لهذا التجمع الإسلامي, ولعلها ستكون آخر من يهتم بهذه المسألة, وعلى الأرجح أنها ستنتظر لترى ما سيفعله الكبار, ثم إنها متخمة بالقضايا وتجد في الانهماك فيها نوعاً من العذر. ولعل روسيا إذا استمرت في رفضها الاعتراف باستقلال كوسوفو فربما يتبعها دول إسلامية حليفة لها كإيران وسوريا. وهو أمر مؤسف وخاصة أن الأولى من هاتين الدولتين لم ينتهي حديثها عن المسلمين والتحدث باسمهم منذ فترة ليست بالقريبة, لكنها المصالح وليس هناك أي أمر آخر غيرها.
أما مستقبل الدولة الوليدة فمن المؤسف أنه ليس زاهياً كثيراً, فطالما أن دول العالم لم تنتزع اعترافاً صربياً صريحاً بها فستبقى مهددة بانتهازهم الفرصة للإجهاز عليها في أي فرصة مواتية, أو على الأقل حتى يحسم العالم أمره بإجماع حول هذا الاستقلال, وخاصة أنه يأتي في مرحلة عودة احتدام النزاع بين الولايات المتحدة وروسيا على مناطق النفوذ, ولا يستبعد أن يكون استقلال كوسوفو ودعم الولايات المتحدة له إحدى إرهاصات عودة القطبية إلى المشهد السياسي العالمي رغم مشروعيته في أي وقت كان.
أخيراً من حق أهل كوسوفو أن يحتفلوا باستقلالهم ولو لحين, فهنيئاً لهم ذلك, وعسى الأيام تأتينا وإياهم بخير.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : سياسة | السمات:سياسة
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























